ابن الأثير

494

الكامل في التاريخ

وأمر صلاح الدين أن يكتب على السهام إلى أهل البلد يعدهم الخير والإحسان إن أطاعوه ، ويتهدّدهم إن قاتلوه ، فزادهم ذلك تقاعدا وتخاذلا ، وأحبّوا ملكه وتركوا القتال ، فوصل النقّابون إلى السور ، فنقبوه وعلّقوه ، فلمّا رأى الجند وأهل البلد ذلك طمعوا في ابن نيسان واشتطّوا في المطالب . فحين صارت الحال كذلك أخرج ابن نيسان نساءه إلى القاضي الفاضل ، وزير صلاح الدين ، يسأله أن يأخذ له الأمان ولأهله وماله ، وأن يؤخره ثلاثة أيّام حتى ينقل ما له بالبلد من الأموال والذخائر ، فسعى له الفاضل في ذلك ، فأجابه صلاح الدين إليه ، فسلّم البلد في العشر الأوّل من المحرّم هذه السنة ، وأخرج خيمه إلى ظاهر البلد ، ورام نقل ماله ، فتعذّر ذلك عليه لزوال حكمه عن أصحابه ، واطّراحهم أمره ونهيه ، فأرسل إلى صلاح الدين يعرّفه الحال ، ويسأله مساعدته على ذلك ، فأمدّه بالدوابّ والرجال ، فنقل البعض وسرق البعض وانقضت الأيّام الثلاثة [ 1 ] قبل الفراغ فمنع من الباقي . وكانت أبراج المدينة مملوءة من أنواع الذخائر ، فتركها بحالها ، ولو أخرج البعض منها لحفظ البلد وسائر نعمه وأمواله ، لكن إذا أراد اللَّه أمرا هيّأ أسبابه ، فلمّا تسلّمها صلاح الدين سلّمها نور الدين إلى صاحب الحصن ، فقيل له قبل تسليمها : إن هذه المدينة فيها من الذخائر ما يزيد على ألف ألف دينار ، فلو أخذت ذلك وأعطيته جندك وأصحابك ، وسلّمت البلد إليه فارغا ، لكان راضيا ، فإنّه لا يطمع في غيره . فامتنع من ذلك ، وقال : ما كنت لأعطيه الأصل وأبخل بالفرع ، فلمّا تسلّم نور الدين البلد اصطنع دعوة عظيمة ، ودعا إليها صلاح الدين وأمراءه ، ولم يكن دخل البلد ، وقدّم له ولأصحابه من التحف والهدايا أشياء كثيرة .

--> [ 1 ] - الثلاث .